حالة التعايش في الدولة العراقية الحديثة 1921-2003

 

 

د. صلاح عبد الرزاق

 

 

مقدمة

يتميز العراق بكونه بلداً متعدد الإثنيات والأديان والمذاهب، تعيش جنباً إلى جانب بعض، وفي بعض المناطق متداخلة مع بعضها البعض. ورغم ضعف الرابطة الاجتماعية والوطنية التي تجمع كل هذه المكونات لكنها استطاعت أن تتجاوز المحن والأزمات، وأن تبرز الجانب الإيجابي في المواطنة التي تفتقد امتيازاتها أغلب هذه المكونات. إن حبها لوطنها واعتزازها بتاريخها وانتمائها لهذا الوطن هو الذي جعلها تصبر على الجراح والآلام وعلى التمييز السياسي والطائفي والعرقي الذي ساد النظام السياسي للدولة الحديثة منذ إنشائها عام 1921 وحتى سقوط نظام صدام. إن أهم ملامح النظام السياسي للدولة الحديثة هو ترسيخ حالة الهيمنة لأقلية طائفية معينة وحرمان الأكثرية وكذلك الأقليات العرقية والدينية الأخرى، إلا ما ندر من استثناءات. في هذه الدراسة سنتناول وضع هذه المكونات ودورها في تاريخ العراق المعاصر.

وضع الشيعة في العهد العثماني

عندما أكمل الانكليز احتلال العراق عام 1917 كانت نسبة السكان الشيعة تقارب 90% حسب تقرير الإدارة المدنية الذي أعدته المسز بيل.[1] لقد عانت الأكثرية الشيعية في العراق من التمييز الطائفي الذي مارسته الدولة العثمانية التي تبنت المذهب الحنفي كمذهب رسمي للدولة والقضاء والأوقاف والمدارس الدينية ودواوين الحكومة. إذ رفضت الدولة العثمانية الاعتراف رسمياً بالمذهب الشيعي أسوة ببقية المذاهب الإسلامية. كما رفضت معاملة الشيعة بنفس الطريقة التي تتعامل فيها مع بقية المذاهب الأخرى كالنصيرية والدروز، أو غير المسلمين كالمسيحيين واليهود الذين تمتعوا بامتيازات ضمنها لهم نظام الملل.[2]

 ويشير التقرير البريطاني إلى أن الأتراك لم يعيروا أي اهتمام بالعراقيين الشيعة لأن "العنصر التركي كان يحظى بدعم الحكومة التركية ، ويتمتع بمنزلة اجتماعية لا تتناسب مع نسبته السكانية". [3] وكان مشايخ الدولة العثمانية لا يترددون في إصدار فتاوى تبيح قتل الشيعة ، حيث أصدر مفتي اسطنبول فتاوى في الأعوام 1725 و1743 . وبقيت العلاقة متوترة بين العشائر الشيعية العراقية وبين الإدارة العثمانية في العراق. إذ شهدت عدة ثورات وانتفاضات في القرن التاسع عشر وقبله.[4]

يؤيد تلك الحالة سياسي سني شهير، كامل الجادرجي ، بقوله (في العهد العثماني ، كانت الدولة العثمانية تنظر نظرة خاصة إلى الطوائف التي تعتبرها أقليات، ومن تلك الطوائف التي اعتبرت أقلية داخل الدولة العثمانية ، طائفة الشيعة). (وكان من سياسة الدولة العثمانية تحريم إسناد المناصب الحكومية لأفراد طائفة الشيعة على الأغلب ولا سيما بالنسبة للمناصب الخطيرة. كما كان من سياسة تلك الدولة الحيلولة دون وصول الشيعة إلى سلك ضباط الجيش. وكانت الدولة في الوقت نفسه تعرقل قبول الشيعة في المدارس الحكومية). (إن وضع الشيعة لم يطرأ عليه تبدل جوهري حتى زوال الحكم العثماني في الحرب العالمية الأولى).[5] 

ويؤكد حنا بطاطو تهميش الشيعة في الدولة العثمانية عندما يشير إلى وجود هرميات للتراتب الاجتماعي وهي هرمية الثروة و(هرميات الدين حيث كان المسلمون فوق المسيحيين واليهود الصابئة، وهرميات الطائفة حيث السنة فوق الشيعة، وهرميات المجموعات الإثنية حيث المماليك (الكرج) والأتراك فوق العرب الأكراد).[6]

لقد اتسعت وتنوعت مظاهر التمييز الطائفي ضد الشيعة، حيث منع القانون العثماني زواج التبعة العثمانية من التبعة الإيرانية. ويعاقب المأذون الذي يعقد النكاح مخالفاً هذا القانون.[7]

ومنعت الطلاب الشيعة من دخول المدارس الرسمية سواء العسكرية أو المدنية. تقول المسز بيل (لم يكن يُعترف بلياقة غير السني للتعليم فيها. وكان وجود هذه القاعدة بين سكان أكثريتهم من الشيعة لا يشجع الإقبال عليها).[8] كما أن اعتماد المدارس في مناهجها على المذهب السني جعل الشيعة يحجمون من إرسال أبنائهم إليها.[9] الأمر الذي أدى إلى قيام الشيعة بفتح مدارس خاصة بهم وعلى نفقتهم. كما تم استبعاد الشيعة من البعثات الرسمية ذات الاختصاصات العلمية المتنوعة.[10]

لقد أجبرت الدولة العثمانية الشيعة على مراجعة المحاكم الشرعية التي يرأسها قضاة سنة، ويحكمون وفق أحكام المذهب السني. ولم تعترف الدولة بالقضاة الشيعة. [11] ووصل ألمر إلى تعيين قاض سني في مدينة النجف الأشرف التي تعج بالعلماء والفقهاء ومراجع التقليد. وكانت المناصب الدينية الأخرى مكرسة للسنة مثل رئيس علماء بغداد ومفتي الجزيرة وغيرها. وسعت الدولة العثمانية إلى إغلاق المدارس الدينية الشيعية في النجف وكربلاء والكاظمية وسامراء. كما أنها فشلت في إنهاء دور المحاكم الشرعية الشيعية ونقل قضاياها إلى المحاكم الرسمية. وكان الشيعة يرفعون قضاياهم إلى المجتهدين ووكلاء المراجع.

بقيت الدولة العثمانية تمسك بجميع الأوقاف الإسلامية، السنية والشيعية. ولم تعترف بأهلية المؤسسات الشيعية في الإشراف على الأوقاف، وحتى الأراضي الموقوفة على العتبات المقدسة.[12] وكانت الدولة العثمانية تصادر أوقاف الشيعة ، فعندما دخل السلطان مراد الرابع بغداد عام 1635 أراد تعمير ضريح الشيخ عبد القادر الكيلاني قام بتخصيص أوقاف كثيرة معظمها من أملاك الشيعة.[13] وكانت دائرة الأوقاف تجمع واردات الأراضي الزراعية وبدلات الإيجار، وتوزع قسم منها كرواتب للعاملين في المساجد السنية كالأئمة والمؤذنين والخدم والحرس، وقسم آخر في صيانة المساجد السنية وبناء مساجد سنية جديدة. وما تبقى من إيرادات ترسله إلى وزارة الأوقاف في اسطنبول. وتهمل إعمار الأراضي الزراعية وترميم البيوت والخانات والدكاكين والمدارس الموقوفة.[14] وحرمت الأوقاف الشيعية من تلك الامتيازات. كما كان الولاة العثمانيون يمنعون تطبيق الشعائر الحسينية في العراق. وظل ممارسة هذه الشعائر محظوراً حتى تولى علي رضا الولاية (1831-1842) فسمح بها.[15]

والتزمت الدولة العثمانية بسياسة منع الشيعة من التعيين في الوظائف الحكومية.[16] إذ كانت جميع الوظائف الحكومية تمنح للسنة سواء الأعمال الإدارية البسيطة أو المناصب العليا. كما كان موظفو الإدارة في المدن الشيعية من السنة، حيث لم تستعن بموظفين محليين إلا نادراً.

في عام 1894 عندما أرسى السلطان عبد الحميد قواعد استغلال الاقطاعيات الكبرى اعترفت الدولة بخمس أسر فقط من الأشراف، كلها من السنة (هي عائلات جميل والكيلاني والألوسي والحيدري والسنوي)[17] . وقد تم تمليكهم تلك الأراضي الشاسعة بسندات تمليك (طابو) . وفي الجنوب والفرات الأوسط لم يحصل على تلك المنحة سوى عشيرة (السعدون) السنية في المنتفك. أما بقية شيوخ العشائر فقد بقيت الأراضي التي حصلوا عليها ذات صفة أميرية مؤقتة، خاضعة لمزاج الدولة وموقفها حيث تخضع لإعادة التوزيع. وغالباً ما أعطيت لغرباء عنها.[18]

وأما تمثيل العراقيين في مجلس النواب أو (مجلس المبعوثان) الذي يفترض فيه تمثيل سكان المناطق من أنحاء الدولة العثمانية وأقاليمها، فقد تم استبعاد الشيعة عن تمثيل المناطق الشيعية. ففي الدورات 1876 و 1908 و1912 كان مجموع النواب العراقيين لكل هذه الدورات يبلغ (37) عضوا ، غالبيتهم من السنة واليهود. والمرة الوحيدة التي سمحت فيها السلطات العثمانية أن ينتخب من الشيعة عضواً واحداً في مجلس المبعوثان كان عام 1908 وهو عبد المهدي الحافظ.[19] وأما التزوير فهو من الأمور الشائعة التي مارستها السلطات العثمانية عندما كانت تحرم السكان الشيعة من حق ترشيح من يريدونه ، وتقوم الحكومة بتعيين مرشحين سنة عن المدن الشيعية.[20]

إن تسليط الضوء على وضع الشيعة في العهد العثماني لا يعني تأكيد مظلوميتهم، بقدر ما سيفيدنا في متابعة جذور النظام السياسي القادم الذي تأسس على أنقاض الإدارة العثمانية في العراق.

 

النظام السياسي في المملكة العراقية 1921

بعد احتلال الانكليز لبغداد، بدأ حكم العراق بشكل مباشر من قبل المندوب السامي والمستشارين البريطانيين في بغداد، والحكام السياسيين في المناطق العراقية الأخرى. وبعد إعلان الانتداب البريطاني على العراق من قبل عصبة الأمم في أيار/ مايو 1920 والذي أدى إلى نشوب ثورة العشرين 1920 ، وتتويج الأمير فيصل ملكاً على العراق، وتكليف عبد الرحمن النقيب بتشكيل أول حكومة عراقية للمملكة الوليدة، بدا واضحاً أن النهج العثماني بقي مترسخاً في التشكيلة الجديدة التي وضعت أساس النظام السياسي الجديد.

بعد أن واجه الإنكليز مقاومة عنيدة من قبل الشيعة وخاصة القبائل والمرجعية الدينية عندما دخلوا في معارك مثل معركة الروطة في 20/1/1915 والشعيبة في 12/4/1915 ، ولكنهم في النهاية تمكنوا من القضاء على المقاومة الشعبية. بعد ذلك بدأ السعي لاستبعاد الشيعة عن السلطة والاعتماد على الأقلية السنية بهدف تأسيس دولة شديدة المركزية تستطيع ضبط الأوضاع. لقد تمت التسوية السياسية بين الإدارة البريطانية والعناصر السنية المرشحة لتولي السلطة بمعزل عن الشيعة الذين كانوا يرفضون التسوية ويطالبون بالانسحاب البريطاني عن العراق. [21]

رغم أن التوجه البريطاني كان يهدف إلى تأسيس نظام ديمقراطي بمقاييس ذلك الوقت، ورغم أن مثل ذلك النظام كان بإمكانه استيعاب المجموعات الأساسية من العراقيين ، الشيعة والسنة والكرد، من خلال إيجاد قواسم مشتركة تقضي على حالة القطيعة السياسية والاجتماعية التي سادت في العهد العثماني. إن السعي لبناء دولة شديدة المركزية يتعارض مع التركيبة السكانية المتنوعة للمجتمع العراقي. وكان بالإمكان مراعاة التركيبة الخاصة للمجموعات العرقية وإعطائها الفرصة المناسبة للمشاركة السياسية والتي تؤدي إلى تماسك وترابط هذه المجموعات فيما بينها.

يرى أحد الباحثين العرب أنه قد اتفقت مصالح الدولة المركزية مع مصالح النخبة السنية . وحاول السنة أن يحققوا الاندماج في المجتمع بالقوة ، وساعدهم في ذلك قوة النظام الذي استلزمت بالتالي تركز الدولة في أيديهم.[22] طلب السير برسي كوكس من الشيخ عبد الرحمن الكيلاني نقيب أشراف بغداد أن يؤلف وزارة ، ويعرض أسماء المرشحين عليه للمصادقة عليها. قام الكيلاني بإعداد قائمة بالوزراء المرشحين مستبعداً زعماء الثورة عن المشاركة بالحكم. في 27 / 10/ 1920 وافق المندوب السامي على وزارة النقيب الأولى وهي حكومة غير منتخبة والتي ضمت تسعة وزراء (ثمانية من السنة وواحد يهودي) ، بالإضافة إلى إثني عشر وزير دولة (بلا وزارة) .

يلاحظ في تركيبة أول وزارة إقصاء متعمد للشيعة . فالوزير الشيعي الوحيد هو السيد محمد مهدي بحر العلوم الذي لم يكن مرشحاً في أصل تشكيل الوزارة من قبل الكيلاني ، لكن المرشح لهذه الوزارة كان عزت الكركوكلي، وقد رفضها واستلم بدلها وزارة الأشغال ، فقام السير برسي كوكس بترشيح السيد بحر العلوم للوزارة لأن النقيب وبعض الوزراء المتنفذين لم يكونوا يوافقون على إسناد وزارة إلى واحد من الشيعة[23] ، في حين لم يجدوا ضيراً في تعيين يهودي مع أن اليهود كانوا يشكلون أقلية صغيرة لا يمكن أن تقاس بنسبة الشيعة . مع العلم أن  وزير المالية ساسون حسقيل اليهودي كان مناوئاً لتأسيس الحكم الوطني وتنصيب الملك فيصل ملكاً على العراق. وكان رأيه أن يبقى العراق تحت الوصاية البريطانية. وعندما ذهب إلى مؤتمر القاهرة تحدث مع ونستون تشرشل قائلاً له (لقد جرت العادة في البلاد المنسلخة من الإمبراطورية العثمانية أن يأتيها أمراؤها من الشمال لا من الجنوب، فكيف حدث ضد هذه العادة في العراق؟) فأجابه تشرشل (إن ذلك صحيح، ولكن المستر كورنواليس ذاهب مع الأمير فيصل وهو من الشمال).[24] 

لقد استقبل الشيعة وعلى رأسهم العلماء في النجف التركيبة الدينية المذهبية للحكومة وتعيين سياسيين سنة كحكام للمحافظات الشيعية بنوع من الارتياب وعدم الارتياح. ويشير عبدالله النفيسي إلى أنه لا يمكن تحليل قلة تمثيل الشيعة في مجلس الوزراء بعدم وجود متخصصين مناسبين، حيث أنه لم يكن من أعضاء المجلس متخصصاً في مهام منصبه باستثناء الخبير المالي ساسون حسقيل. كما أن المستشارين البريطانيين في الوزارات كانوا هم الذين يقومون بمهام المنصب الفعلية. كان السير برسي كوكس يعلم جيداً أن الطريق الوحيد للهروب من مطالب الشيعة بالاستقلال التام هو جعل السنة أغلبية في مجلس الدولة. بالتأكيد لم يكن استبعاد الشيعة سببه فشل الانكليز في تحريك الصفوة الشيعية للتعاون معهم، حيث كان هناك من أبدى استعداده لذلك، ولكن سببه في الغالب أن المقاومة الشديدة للشيعة حتمت على الانكليز تسليم السلطة السياسية للأقلية السنية العربية والتي لا تشكل سوى 19% فقط من إجمالي السكان.[25] إن رئيس الوزراء عبد الرحمن النقيب نفسه لم يكن يمتلك كفاءات أكبر وأفضل من كثير من العلماء الشيعة. فهو ذو ثقافة محدودة، وتعليم ديني تقليدي، ولم يعرف عنه أنه كان سياسياً أو مفكراً ، ولم يترك كتاباً فقهياً أو سياسياً .

 

إن تلك المعادلة التي يسميها أحد رجال العهد الملكي، عبد الكريم الأزري، بـ(صيغة 1921 السياسية) ويعتبرها العلة الأساسية منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة[26] ، قد بقيت نافذة ومهيمنة على المشهد السياسي والحكومي والإداري والعسكري والقضائي والدبلوماسي في العراق. ولم تتغير المعادلة كثيراً رغم تعاقب الحكومات وتغير الأنظمة والأيديولوجيات الحاكمة، ورغم تبدل الولاءات والموازنات الإقليمية والدولية في العالم والمنطقة.

لقد فشلت الحكومات المتعاقبة والنظام السياسي العراقي في خلق روح وطنية ينتمي إليها كل أبناء العراق ويفتخرون بها ويدافعون عنها، مثل الروح الوطنية المصرية والسورية والتركية والإيرانية. وبقيت الأنانية والإثرة مهيمنة على سلوك ومواقف النخبة السياسية والدينية التي رفضت التنازل عن امتيازاتها الموروثة من العهد العثماني. كما فشلت الأحزاب السياسية والشخصيات الحكومية، التي يصفها البعض بالوطنية، في بناء شعور وطني مترسخ لدى جميع مكونات المجتمع العراقي. وقد كشفت الوثائق الرسمية العراقية والأجنبية ومذكرات الساسة العراقيين عن حجم التعصب الطائفي لدى العديد من الشخصيات السياسية والدينية والمسؤولين في الدولة العراقية من السنة. كما كشفت عن حجم الإقصاء والتهميش المتعمد للشيعة والكرد.

لقد فوت الساسة العراقيون عدة فرص كان يمكن أن تشكل منعطفاً جديداً لإعادة تشكيل الدولة والمجتمع على أساس المواطنة المتساوية لجميع أفراد المجتمع، وأن الحصول على المناصب والسلطة يكون وفق الكفاءات والفرص المتساوية دون تمييز.

 

 

من مظاهر التعايش السياسي-الاجتماعي

ساهم الغزو البريطاني للعراق 1914-1917 في تعزيز الشعور الوطني للعراقيين من خلال المساهمة الفعالة في أعمال المقاومة للغزو الإنكليزي، عندما التحمت عشائر الفرات مع القيادات الدينية الشيعية في محاربة الجيوش الزاحفة نحو بغداد. وقد التحمت معها في عدة معارك ، وساهمت قوات المجاهدين في تأخير سقوط بغداد ثلاث سنوات.

وفي ثورة العشرين 1920 بلغ الشعور الوطني أوجه عندما اتحدت القيادات السنية والشيعية (وللمرة الأولى منذ قرون عديدة انضم الشيعة سياسياً إلى السنة وضمت عشائر من الفرات جهودها إلى جهود سكان مدينة بغداد. وأقيمت احتفالات شيعية سنية مشتركة لا سابق لها).[27]

وكانت فكرة المجالس المشتركة قد جاءت من السيد صالح الحلي وهو شاعر وخطيب حسيني شيعي مشهور. وكانت تقام هذه المجالس في مساجد السنة والشيعة على التعاقب، ويشارك فيها أتباع المذهبين. فقد أقيم أول مجلس يوم الجمعة 14/5/1920 في جامع القبلانية الذي يقع في سوق البزازين. وقام أحد وعاظ السنة بإلقاء خطبة الجمعة، ثم أعقبه الشيخ مهدي البصير فتلا المولد النبوي والمجلس الحسيني معاً. وقد اشتهر البصير بخطابه السياسي حتى سمي بـ(ميرابو العراق)[28] لشدة تأثيره على الناس.

ولما حل شهر رمضان انتشرت المجالس المشتركة، وكانت توزع بطاقات الدعوة على الناس. وكان أحد هذه المجالس قد نجح إلى حد كبير عندما أقيم المجلس في ساحة الميدان وحضره عشرة آلاف من الجمهور. وتناوب الخطباء والشعراء على المنبر فذكروا جهاد النبي (ص) واستشهاد الإمام الحسين (ع) في كربلاء. وألقيت قصائد تحث على الوحدة بين المسلمين، حيث قوطعت بالهتاف والتصفيق والحماسة. وقد أدى اعتقال أحد الشعراء إلى تظاهرات وأحداث مواجهة مع الجنود.[29]  أدت الأحداث إلى مقتل أحد العراقيين، فزاد هياج الناس وخاصة أثناء تشييعه، وأغلقت الأسواق ورفعت الأعلام السوداء، وخرجت مواكب اللطم ترثي الشهيد. إثر ذلك تصاعدت المواجهة بين الزعامات الوطنية وموظفي الإدارة البريطانية، كتب الزعيم الوطني جعفر أبو التمكن رسالة إلى الشيخ محمد تقي الشيرازي يستغيث به للتدخل والمساعدة. وصلت الرسالة إلى الشيرازي الذي أكد على أهمية الوحدة الإسلامية واجتماع كلمة أهالي بغداد من السنة والشيعة في المطالبة بحقوقهم، وكذلك أهمية حفظ حقوق غير المسلمين من عراقيين وأجانب، إذ جاء فيها:

(...فسرنا اتحاد كلمة الأمة البغدادية واندفاع علمائها ووجوهها وأعيانها إلى المطالبة بحقوق الأمة المشروعة ومقاصدها المقدسة. فشكر الله سعيك ومساعي إخوانك وأقرانك من الأشراف، وحقق المولى آمالنا وآمال علماء حاضرتكم الذين قاموا بواجباتهم الإسلامية).

كما أصدر الشيرازي رسالة مفتوحة إلى الشعب العراقي جميعاً يحثهم فيها على التماسك والتعاون بين السنة والشيعة والوحدة الوطنية، والمطالبة بحقوقهم المشروعة باستقلال العراق من خلال إرسال وفودهم إلى بغداد للتنسيق معاً في الضغط على الاحتلال البريطاني، جاء فيها:

(إلى إخواني العراقيين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

أما بعد فإن إخوانكم في بغداد والكاظمية قد اتفقوا فيما بينهم على الاجتماع والقيام بمظاهرات سلمية. وقد قامت جماعة كبيرة بتلك المظاهرات مع المحافظة على الأمن طالبين حقوقهم المشروعة المنتجة لاستقلال العراق إن شاء الله بحكومة إسلامية، وذلك بأن يرسل كل قطر وناحية إلى عاصمة العراق بغداد وفداً للمطالبة بحقه متفقاً مع الذين يتوجهون من أنحاء العراق عن قريب إلى بغداد.

فالواجب عليكم، بل على المسلمين، الاتفاق مع إخوانكم في هذا المبدأ الشريف. وإياكم والإخلال بالأمن والتخالف والتشاجر بعضكم مع بعض، فإن ذلك مضر بمقاصدكم ومضيع لحقوقكم التي صار الآن أوان حصولها بأيديكم. وأوصيكم بالمحافظة على جميع الملل والنحل التي في بلادكم، في نفوسهم وأموالهم وأعراضهم، ولا تنالوا أحداً منهم بسوء أبداً. وفقكم الله جميعاً لما يرضيه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 10 رمضان 1338 هج – الأحقر محمد تقي الحائري الشيرازي).[30]

لقد خاطب الشيرازي أبناءه من السنة والشيعة، ولما كان مقلدوه من الشيعة عادة فقد أكد عليهم بـ(الاتفاق مع إخوانكم) السنة وتفادي أي صراع أو شجار فيما بينهم. كما اعتبر المطالبة باستقلال العراق (مبدأ شريفاً) يستوجب على جميع المسلمين التعاون من أجل بلوغه، إضافة إلى إرهاصاته بأن الوقت قد حان لنيل العراقيين حقوقهم لأنهم متحدون في مطالبهم ومتعاونون في تحركهم.

اشتد التقارب الطائفي بشكل لم يشهد له مثيلاً في العراق، فعندما يصل وفد الكاظمية لحضور مجالس بغداد ، وكان يأتي بعربات الترامواي وعلى رأسه السيد محمد الصدر، وعند وصوله إلى بداية محلات بغداد يخرج لاستقباله أهالي الجعيفر والسوامرة والتكارتة (من السنة) حاملين الشموع ، يهللون ويكبرون. وإذا وصلت العربات إلى محطة بغداد كان في استقبالها جمهور غفير من أهل بغداد وفي مقدمتهم أحمد الشيخ داود أو غيره من علماء السنة، فيتعانقان عناقاً أخوياً كرمز للتآخي بين الطائفتين. وعند ذلك يرتفع صوت الجمهور بالصلاة على محمد وآل محمد.

ويحدث مثل ذلك أيضاً عندما يذهب وفد الأعظمية إلى الكاظمية أو العكس. وقام الملا عثمان الموصلي المنشد المعروف بدور كبير عندما كان ينشد القصائد في مدح النبي (ص) وأهل بيته (ع). وكان ينشد في صحن الكاظمية بقصائد بقي الناس يتذكرونها ويرددونها مدة طويلة من الزمن.[31] وحين حلت ذكرى شهادة الإمام علي (ع) في 21 رمضان ، جاء موكب من أهالي الأعظمية إلى الكاظمية لمشاركة أهلها في العزاء. وأخذ الموكب الأعظمي يسير في صحن الكاظمية وهو يهزج قائلاً:

              أبو بكر وعمر حزنانين               عالوصي حيدر

              وملائكة السما وجبرائيل              لأجله تكــدّر  

وقام أهالي محلتي السوامرة والتكارتة بتأليف مواكب لطم قاصدين محلة الشيخ بشار لمشاركة أهاليها في العزاء. ولما حل شهر محرم استمرت المشاركة السنية في الشعائر الحسينية بشكل واضح. وفي اليوم العاشر من محرم ذهب الجميع إلى الكاظمية للمشاركة في ذكرى الإمام الحسين (ع).

يصف المؤرخ عبد الرزاق الحسني الدور الذي لعبه الشيرازي في التقارب الطائفي حيث يقول بأنه كان (يؤيد الصلات الأخوية بين المسلمين بكل قواه، ويحث على التآلف والتآزر بين السنة والشيعة ، ليقف الجميع صفاً واحداً بوجه الأجنبي. فوسّع مفكرو الطائفتين طرق وأساليب الاستعانة بنفوذه الديني الواسع لتحقيق مقاصدهم السياسية. ولما كانت رابطة رؤساء القبائل الدينية بمقام الإمام الشيرازي قوية جداً، فقد اتخذت صبغة سياسية واضحة، وأخذ الإمام يبث الدعوة بينهم إلى المطالبة باستقلال العراق بكل وسيلة ممكنة).[32]

خلال أحداث الثورة استجابت بعض عشائر السنة لدعوة علماء الشيعة في مقاومة الإنكليز، وإن كانت غالبيتهم قد ظلت بعيدة عن الثورة بسبب ارتباطات وتأثير زعماء عشائرهم. فقد كان السيد محمد الصدر يقوم بحملة تبليغية في لواء الدليم وسامراء لدعوة العشائر هناك إلى الانضمام إلى الثورة. وقد نجحت جهوده في إقناع بعض زعماء العشائر مثل حبيب الخيزران شيخ قبيلة عزّة وقبائل ألبو علقة وألبو حيازة. كما استجاب الشيخ ضاري رئيس عشيرة زوبع في الرمادي لحركة الثورة.[33]

يحلل حنا بطاطو ذلك التطور الاجتماعي فيقول (في الواقع ، فإن المرء لن يذهب أبعد من اللازم في القول أن أحداث 1919-1920 ، وبشكل أخص الترابط الذي نشأ بين السنة والشيعة – مهما كان رقيقاً- قد أطلقت عملية جديدة، ألا وهي النمو الصعب الذي كان تدريجياً ولاهثاً أحياناً أخرى، لمجتمع وطني عراقي).[34] 

لقد فشلت النخبة الحاكمة في دمج بقية مكونات المجتمع العراقي، وخاصة دمج الشيعة في الجسم السياسي للدولة. الأمر الذي أدى إلى تراكم المشكلات وتفاقمها، وازدياد حالة الشعور بالسخط والاستياء والغربة عن الحكومة. وقد انعكس هذا الشعور على شكل انتفاضات وثورات في كثير من الأحيان.

ومرت عشرون عاماً لتتاح فرصة أخرى مشابهة عندما حدثت الحرب العراقية-البريطانية عام 1941 اثر الانقلاب الذي قادته مجموعة العقداء الأربعة بقيادة صلاح الدين الصباغ، وتزعم رشيد عالي الكيلاني الحكومة وفرّ الوصي عبد الإله إلى الخارج. لقد شجعت مواجهة عدو أجنبي حالة التماسك الوطني وضرورة الدفاع عن الوطن الذي يتمسك به الجميع باعتباره أرض آبائهم وأجدادهم. 

 (لقد شكلت حرب الـ 1941 حافزاً كبيراً لمشاعرهم القومية. ولم يكن العراقيون موحدي الرأي حول تدخل الجيش في شؤون الدولة أو حول الاتجاهات السياسية لكبار الضباط. ولكنهم ما إن اندلعت الحرب حتى نسوا خلافاتهم ، واختلطت واندمجت مشاعر الشيعة والسنة والعرب والأكراد في بغداد والمدن الأخرى في تلك اللحظة وعلى امتداد أيام القتال. وسادت بين ذوي الحياة المتواضعة خصوصاً روحية لم يكونوا عرفوها منذ انتفاضة 1920 ).[35]  

ورغم الحيف الذي لحق بالشيعة ونسيان تضحياتهم ودمائهم في ثورة العشرين التي قطف ثمارها العسكريون الشريفيون من ضباط الجيش العثماني ومن النخبة السياسية السنية، لكنهم تفاعلوا مع انقلاب قومي يقوده مجموعة من الضباط السنة. وتكرر مشهد حركة الجهاد عام 1914 ، حيث صدرت فتاوى علماء الشيعة بمقاتلة الإنكليز حيث أصدر الشيخ عبد الكريم الجزائري فتوى تساند الجيش وقادته ووصف الحركة بالحكومة الإسلامية. كما أصدر السيد أبو الحسن الأصفهاني فتوى توجب الدفاع عن الإسلام ومحاربة الكافرين (الإنكليز). وأصدر الشيخ محسين آل كاشف الغطاء الذي تزعم حركة الاحتجاج ضد التمييز الطائفي ولاسيما في الفترة التي كان فيها رشيد عالي الكيلاني وزيراً للداخلية، فقد أصدر فتوى اعتبر فيها الانقلاب بأنه (قاعدة للدين) من أجل حث العراقيين المسلمين على تأييد الحركة. ورفض آل كاشف الغطاء رشوة أرسلها الأمير عبد الإله من أجل إثارة القبائل ضد حكومة الانقلاب.[36]

وخرجت القبائل العربية في الفرات الأوسط إلى القتال، ونسيت ما فعلته الحكومة وقواتها العسكرية في ضرب ثورة العشائر عام 1935 بوحشية وهمجية عندما قتلت الأطفال والنساء وأحرقت البيوت والمزارع. وفي نفس العام عندما قررت الحكومة العراقية تشييد مبنى للبريد على مقبرة في الكاظمية، الأمر الذي استفز مشاعر أهالي الموتى، فقرروا الاعتصام في المقبرة. أرسل وزير الداخلية رشيد عالي الكيلاني مفرزة مسلحة من الشرطة بقيادة وجيه يونس الموصلي، وبسيارات مصفحة، ففتحت النيران فوراً على المعتصمين، مما أدى إلى مصرع ثلاثين شخصاً، دفنوا بصورة سرية ليلاً. أما المحتجين الباقين فقد حكم عليهم بالأشغال الشاقة المؤبدة.

لقد نسي الشيعة كل تلك الجرائم ووقفوا يقاتلون إلى جانب الجيش ورئيس الوزراء رشيد عالي الكيلاني شعوراً بالروح الوطنية وواجبات الدفاع عن الوطن. ومن المفارقات أن العشائر الشيعية وقفت مع حركة اعتبرتها تحررية ضد الاستعمار البريطاني، لكن هناك قبائل سنية عربية مثل الدليم وعنزة وقفت إلى جانب الجيش البريطاني الذي كان محاصراً في معسكر الحبانية.  

ورغم كل هذه المواقف الإيجابية لصالح الكيلاني لكنه لم يخرج عن المعادلة الثابتة عندما أعطى وزارات ثانوية كالمعارف للشيعة بينما استحوذ السنة على رئاسة الوزراء ووزارات الداخلية والدفاع والخارجية والاقتصاد. ولم يكن في القيادة العسكرية ضابط شيعي واحد. 

 

نمو التعايش السياسي-الاجتماعي

على أية حال شكلت مشاركة الشيعة في الحياة السياسية تطوراً ملحوظاً في المجتمع العراقي. إذ ارتفعت نسبة الشيعة في المناصب الوزارية بشكل تدريجي من (17.7%) في الفترة (1921-1932) (مرحلة الانتداب البريطاني) ، لتنخفض إلى (15.8%) في الفترة (1932-1936 ) (من الاستقلال إلى انقلاب بكر صدقي)، لترتفع إلى (27.7%) في الفترة (1936-1941) (مرحلة الانقلابات العسكرية) ، ثم إلى (28.1%) في الفترة (1941-1946) (مرحلة الاحتلال البريطاني الثاني)، ثم إلى أعلى نسبة وهي (34.7%) في الفترة (1957-1958).[37]

أما منصب رئاسة الوزراء ، فقد تمكن أول شيعي، صالح جبر، من استلام هذا المنصب لأول مرة في عام 1947 أي بعد مرور 26 عاماً على تأسيس الدولة الحديثة. فمن مجموع مدة (68) عاماً أشغل رئاسة الوزراء فيها خمسة رجال شيعة لمدة أقل من ثلاث سنوات أي بنسبة (4.48%). ومن بين 59 وزارة ملكية، ألف الوزارة خمس مرات رؤساء وزارات شيعة أي بنسبة (8.48%).

لم تتحسن الوضعية في العهد الجمهوري حيث بقيت نخبة الضباط السنة يهيمنون على لجنة الضباط الأحرار التي تزعمت ثورة 14 تموز/يوليو 1958 . إذ كان هناك ضابطان شيعيان (ناجي طالب و محمد حسين الحبيب) من مجموع (15) ضابطاً أي بنسبة (13.3%).[38] وأما اللجنة الاحتياطية للضباط الأحرار التي كانت تضم تسعة ضباط فكلهم من السنة.[39] وكذلك مجلس القادة لعام 1958 الذي ضم تسعة ضباط كانوا كلهم من السنة.[40] وعندما قام الزعيم عبد الكريم قاسم بتشكيل أول حكومة لها، فقد ضم مجلس السيادة ثلاثة أعضاء، واحد شيعي وآخر سني وثالث كردي. وضم مجلس الوزراء ثلاثة عشر وزيراً : ستة من السنة العرب إضافة إلى رئيس الوزراء (46%)، وأربعة من الشيعة (30.7%) وثلاثة من الكرد السنة (23%).

أما رئاسة الوزراء ففي الفترة ما بين عامي (1958-1988) فقد شغلها رجل شيعي ، ناجي طالب، مرة واحدة ولمدة عشرة شهور خلال ثلاثين عاماً أي بنسبة ( 2.7%).[41]

وبعد انتفاضة 1991 قام صدام بتعيين محمد الزبيدي ، وهو شيعي، بمنصب رئيس الوزراء لفترة بضعة أشهر. وهي فترة لا تعد شيئاً في عهد حزب البعث الذي امتد 35 عاماً.

عموماً إن تمثيل الشيعة في السلطة التشريعية أفضل منه في السلطة التنفيذية. فرغم أنه لم يرتفع إلى نسبة الشيعة من سكان العراق لكن الجميع يعرف أن البرلمان الملكي العراقي كان ضعيفاً، لا حول له ولا قوة، حيث هيمنت الحكومة على مقاليد السلطة. لقد وصلت الأمور إلى حد أن الحكومة هي التي تختار البرلمان، وبالتالي هي التي تحدد نسبة النواب الشيعة وعددهم وأسمائهم. ولذلك لم يحدث أبداً طوال العهد الملكي أن الحكومة المسؤولة خسرت في الانتخابات.[42] وفي عام 1943 صرح نوري السعيد رداً على أحد النواب قائلاً: هل بالإمكان أن يخرج أحد نائباً مهما كانت منزلته في البلاد، ومهما كانت خدماته في الدولة ما لم تأت الحكومة وترشحه؟ فأنا أراهن كل شخص يدعي مركزه ووطنيته فليستقيل الآن، ويخرج ونعيد الانتخابات، ولا ندخله في قائمة الحكومة، ونرى هل هذا النائب الرفيع المنزلة الذي وراءه ما وراءه من المؤيدين يستطيع أن يخرج نائبا؟ [43]

لقد وصل التلاعب بالانتخابات إلى درجة بائسة عندما صار العديد من النواب السنة يرشحون لتمثيل المناطق الشيعية، إلا أنه لم يحدث قط انتخاب سياسي شيعي كنائب عن المناطق السنية. في بغداد الذي يؤلف الشيعة (70%) من سكانه، كان يمثل الشيعة واحد إلى ثلاثة نواب من مجموع النواب الستة عشر. وفي الدورة الانتخابية الثالثة (1930-1932) كان هناك نائب شيعي واحد ونائبان يهوديان ونائب مسيحي.[44] فهل يوجد مثل هذا الإجحاف والظلم؟ 

 إن نسبة الشيعة في البرلمان العراقي كانت بمعدل (33%) رغم أن نسبتهم السكانية تصل إلى (بحدود 60%). ووصل أعلى تمثيل برلماني للشيعة (43.7%) في عام 1954 ، بينما كانت أقل نسبة (28.4%) عام 1930. يحلل أحد الباحثين ارتفاع نسبة الشيعة في برلمان عام 1954 حيث يرى أن نمو المعارضة السنية للحكومة جعلها تضطر إلى فسح المجال لدخول الشيعة الموالين للحكومة.[45]

ورغم زيادة التمثيل الشيعي في البرلمان لكن لم تحدث أية تحولات جذرية، لأنه كان برلماناً شكلياً، ينفذ سياسة الملك والحكومة. وكان دستور 1925 منح الملك صلاحيات واسعة مثل تعيين رئيس الوزراء وإن لم يكن ممثلاً للأغلبية البرلمانية.

 

إن حالة التعايش الاجتماعي نمت بطريقة أفضل من التعايش السياسي. إذ يلاحظ أحد الباحثين أن تغير الأحوال الاقتصادية وارتفاع مستوى الشيعة المادي في الأربعينيات من القرن العشرين جعل الأوساط السنية ذات الدخل الأعلى تقبل بزواج بناتها برجال شيعة، في حين أن موانع أمثال هذه الزيجات قبل عقود قليلة كانت تبدو غير قابلة لأي تجاوز.[46]

إن قلة الفرص أمام الشيعة للعمل في الحكومة جعلهم يتجهون نحو التجارة حتى تمكنوا من احتلال الموقع الأول في التجارة في بغداد بعد هجرة اليهود عام 1949. لقد حولوا طاقتهم باتجاه التجارة والأعمال المصرفية وبرعوا فيها. كما توجهوا إلى القطاع الأكاديمي ليشكلوا نسبة كبيرة من أساتذة الجامعة والمختصين في مختلف الفروع العلمية والإنسانية. فالمألوف في العراق هو أن السنة من خريجي الجامعات كانوا إما يدخلون السلك العسكري أو يعملون في وظائف الدولة. أما الشيعة فكانت التجارة والمجال الأكاديمي هي الفرص الوحيدة أمامهم للصعود الاجتماعي.[47]

إن حالة التسامح الطائفي بين السنة والشيعة أدى إلى نمو الزواج المختلط حتى بلغت نسبة العراقيين المولودين من زواج مختلط، أي من أب وأم من مذهبين مختلفين، حوالي 24% . لقد اختلطت العائلات بشكل كبير سواء بين السنة والشيعة أو بين العرب والكرد والتركمان. وصار هؤلاء العراقيون لديهم أجداد وأخوال وأعمام من السنة والشيعة في نفس الوقت.

كما وجدت كثير من العشائر العربية التي ينتمي قسم من أفخاذها إلى المذهب الشيعي وقسم آخر ينتمي إلى المذهب السني مثل شمر والجبور والدليم وربيعة وغيرها.

 

مناطقياً، حتى الستينيات كان الشيعة والسنة يسكنون في مناطق منفصلة، سواء في بغداد أو المحافظات. إذ كانت أحياء الكاظمية والكرادة وعقد الأكراد تقتصر على الشيعة، وأحياء الأعظمية والوزيرية والصليخ والجعيفر تختص بالسنة. وبعد هجرة عشرات الآلاف من الشيعة القادمين من المناطق الجنوبية تضاعف عددهم في بغداد وخاصة في أحياء الثورة والشعلة والحرية. وبعد نشوء أحياء جديدة مثل البياع والعامل والخضراء والبلديات والعامرية صار الشيعة والسنة يسكنون في دور متجاورة، ونشأت بذلك العديد من الأحياء المختلطة. وساهم في هذا الاندماج قيام الدولة بتوزيع قطع أراض لمنتسبي الوزارات حيث قاموا بإنشاء منازلهم ليتجاور الشيعي مع السني. علماً بأن هذه الأراضي تم توزيعها بشكل بعيد عن الطائفية. كما أخذت العمارات السكنية توفر مكاناً جيداً للقاء المذهبي والتعايش الاجتماعي بين المذهبين الشيعي والسني.

 وفي عهد صدام بدأ بمنح امتيازات خاصة لفئات معينة مثل كبار ضباط الجيش والبعثيين وأغلبهم من السنة، فنشأت أحياء جديدة ذات غالبية سنية. كما قام ولأسباب أمنية-سياسية بإحاطة بغداد بطوق اجتماعي مذهبي من خلال تهجير الشيعة ومصادرة أراضيهم وتوطين سنة مكانهم، كما في التاجي (شمال بغداد) و أبو غريب (غرب بغداد) واللطيفية (جنوب بغداد) والنهروان (شرق بغداد).

بعد سقوطه بدأت الهويات الفرعية (الشيعية، الكردية، المسيحية، الإيزدية والصابئية) تعبّر عن نفسها من خلال الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني. كما صار للزعامات الدينية (السنية والشيعية) دور أكبر في المشهد السياسي والثقافي والاجتماعي. إن نمو ونضج هذه الهويات أمر طبيعي من أجل الوصول إلى هوية وطنية يستشعرها جميع العراقيين. وكان القمع السياسي والحرمان الاقتصادي والسياسي ، هيمنة فئة وطائفة على جميع أمور البلاد، قد أدى إلى عدم نمو الروح الوطنية بشكل تدريجي وسليم، بل اعترتها كثير من التشوهات التي جعلت الغالبية العظمى من العراقيين لا تجد كثيراً من الروابط ما يربطها بالوطن سوى المدينة والعشيرة والطائفة والمذهب. وإذا كان هناك العديد من السياسيين الذين ارتفعوا فوق مستوى الطوائف والمذاهب وتحدثوا بخطاب وطني، وانتهجوا مواقف وطنية، فيعود ذلك إلى سمو أخلاقهم ، ونضج شعورهم الفكري والأخلاقي، وليس إلى أن النظام السياسي قد أنصفهم أو خلق فيهم تلك الروح العالية، وفي الأزمات يُعرف الرجال....  

 

 



[1]  Bell, (1920), Review of Civil Administration of Mesopotamia, p. 15, and Bell, The Arab War, p. 11

[2] صلاح عبد الرزاق (المرجعية والاحتلال الأجنبي) / ص 20 (غير مطبوع)

[3]  Bell, (1920), Review of Civil Administration of Mesopotamia, p. 27

[4]  حسن العلوي (الشيعة والدولة القومية) / ص 57

[5]  عبد الكريم الأزري (مشكلة الحكم في العراق) / ص 127

[6] حنا بطاطو (العراق: الطبقات الإجتماعية والحركات الثورية) / ج 1 / ص 27

[7]  عدنان عليان (الشيعة والدولة العراقية الحديثة) / ص 248

[8] Bell, (1920), Review of Civil Administration of Mesopotamia, p.  11

[9]  P.W. Ireland (1937), IRAQ, A Study in Political Development, p. 125

[10] عدنان عليان (الشيعة والدولة العراقية الحديثة) / ص 251

[11]  P.W. Ireland (1937), IRAQ, A Study in Political Development, p. 130

[12]  Bell, (1920), Review of Civil Administration of Mesopotamia, p.  92

[13]  حسن العلوي (الشيعة والدولة القومية) / ص 55

[14] Bell, (1920), Review of Civil Administration of Mesopotamia, p.  10

[15]  فرهاد إبراهيم (الطائفية والسياسة في العالم العربي) / ص 52

[16]  George Harris (1957), IRAQ, Its people, its society, its culture, p. 96

[17]  حنا بطاطو (العراق: الطبقات الاجتماعية) / ج 1 / ص 184

[18] عدنان عليان (الشيعة والدولة العراقية الحديثة) / ص 259

[19] عدنان عليان (الشيعة والدولة العراقية الحديثة) / ص 265

[20] حسن العلوي (الشيعة والدولة القومية ) / ص 59-60

[21] عبد الكريم الأزري (مشكلة الحكم في العراق) / ص 1

[22] فرهاد إبراهيم (الطائفية والسياسة في العالم العربي) / ص 13

[23] -  عبد الرزاق الحسني ( تاريخ العراق السياسي الحديث) / ج 1 / ص 193 ، وعلي الوردي (لمحات اجتماعية) / ج 6 / ص 30

[24] فريق المزهر الفرعون (الحقائق الناصعة في الثورة العراقية سنة 1920 ونتائجها) / ص 504

[25] فرهاد إبراهيم (الطائفية والسياسة في العالم العربي) / ص 94-95

[26] عبد الكريم الأزري (مشكلة الحكم في العراق) / ص 1

[27]  حنا بطاطو (العراق: الطبقات الاجتماعية) / ج 1 / ص 41

[28] الكونت دو ميرابو (1749-1791)  Conte de Mirabeau سياسي وثائر فرنسي يُعرف بخطيب الثورة الفرنسية.

[29] علي الوردي (لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث) / ج 5/ ص 186 وما بعدها

[30]  علي الوردي / مصدر سابق / ص 197

[31] المصدر السابق/ ص 206

[32]  جعفر عبد الرزاق (الدستور والبرلمان) / ص 139

[33]  حسن شبر / مصدر سابق / ص 222-223

[34] حنا بطاطو (العراق: الطبقات الاجتماعية) / ج 1 / ص 42

[35] حنا بطاطو (العراق: الطبقات الاجتماعية) / ج 1 / ص 48

[36]  حسن العلوي (الشيعة والدولة القومية) / ص189-191

[37] حنا بطاطو (العراق: الطبقات الاجتماعية) / ج 1 / ص 69

[38]  فرهاد إبراهيم (الطائفية والسياسة في العالم العربي) / ص 237 و حنا بطاطو (العراق: الطبقات الاجتماعية) / ج 2 / ص 92

[39] حنا بطاطو (العراق: الطبقات الاجتماعية) / ج 2/ ص 100

[40] حنا بطاطو (العراق: الطبقات الاجتماعية) / ج 2 / ص 122

[41]  حسن العلوي (الشيعة والدولة القومية) / ص 200

[42] فرهاد إبراهيم (الطائفية والسياسة في العالم العربي) / ص 184

[43] فرهاد إبراهيم (الطائفية والسياسة في العالم العربي) / ص 184

[44]  عبد الحسين الأزري (مشكلة الحكم في العراق) / ص 113

[45] فرهاد إبراهيم (الطائفية والسياسة في العالم العربي) / ص 185

[46] حنا بطاطو (العراق: الطبقات الاجتماعية) / ج 1 / ص 68

[47] فرهاد إبراهيم (الطائفية والسياسة في العالم العربي) / ص 201